‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصـــص قصـــيرة. إظهار كافة الرسائل

سر سائق تاكسي اليوم الواحد




ربما ستبدو هذه القصة أغرب من الخيال لأغلبكم ، ولإنه لا يعرف أحد عن أحداثها شئ سوى بعض الأصدقاء الذين شاركوني بعض تفاصيلها ، لذا ستكون معرفتكم بها إمتياز لكل قارئ لها .
تبدأ القصة التي وقعت أحداثها (حلوة وقعت أحداثها دي بتفكرني بالقصص التاريخية) ، بالعام الجامعي الأول لي ، بطلب طلبه مني صديق قبطي من أيام الدراسة الثانوية يدعى كريم ، وكريم هو نموذج رائع للشاب المصري المكافح ، ففي الوقت الذي كان المحترم فينا يحاول أن يوفر لأهله ، والمجتهد من يحاول أن يعمل صيفاً ليخفف الأعباء عنهم ، كان كريم يعمل أثناء الدراسة والصيف بدوان كامل ليصرف على والديه وإخوته ، وكنا دائماً نقدم له يد العون بكل السبل إحتراماً لكفاحه الذي كان مثار لإعجابنا جميعاً .
وهنا نعود لمجريات الأحداث حيث طلبني كريم في أحد الأيام لزيارته حيث يقطن بمنطقة الدخيلة أحد الأحياء الشعبية بمنطقة الأسكندرية ، وبعد إستقباله لي بحفاوة وقيامه بتقديم واجب الضيافة شعرت إنه محرج من مفاتحتي في شئ ما ، فبادرته بالسؤال الطبيعي طلباتك يا كيمو ، وهنا أخبرني كريم ، إنه أخيراً إستطاع أن يجد العمل المناسب لظروف دراسته ، خاصةً وإنه رغم ظروفه الصعبة إلا إنه تحصل على مجموع جيد بالثانوية العامة وإلتحق بكلية العلوم ، والعمل الذي تحصل عليه كريم سائق تاكسي حيث أخذ وردية على تاكسي أو كما يقول أنا البلد "طرف" على تاكسي ، وإنه لديه ظرف طارئ اليوم سيمنعه عن العمل وإنه متخوف من ضياع "المصلحة" ، خاصةً بعد أن وردته أخبار أن أحد السائقين يحوم حول المعلم صاحب التاكسي ويحاول إقناعه بإستبدال كريم به ، وأظن أن الظرف الذي كان عند كريم إنه مطلوب للشهادة ف الكنيسة لتطليق إبن عمه من زوجته سيئة السمعة أو شئ من هذا القبيل ، وإنه لا يستطيع أن يتخلف عن الموعد بأي حال فشهادته ستكون مهمة لقبول الكنيسة الطلاق لصعوبة هذا الإجراء كما نعرف كلنا .

وما هو المطلوب مني؟ كان هذا السؤال المنطقي الذي طرحته على كريم ، والإجابة البسيطة هي أن أحل محله على ورديته حتى يمر اليوم بسلام ، ولإنه لم يكن هناك مفراً لللإعتذار قبلت وقولت لنفسي "أهو يوم ويعدي " ، ورتبنا الأمور بيننا على أن أقابله لإستلام التاكسي بعد أن يستلمه من السائق المسئول عن الفترة الصباحية ، وفي اليوم الموعود تقابلنا وشرح لي كريم نظام تحصيل الأجرة بشكل تقريبي وطالبني بالإبتعاد عن المشاكل مع الزبائن حتى يمر اليوم بسلام ، وطالبني بالعمل بمنطقة شرق البلد ووسطها من ناحية حتى لا يراني أحد أعمل على التاكسي ويخبر المعلم ، ومن ناحية لأن العمل في هذه المناطق أكثر رواجاً في هذا الوقت من العام .

ومن هنا بدأت المغامرة وإنطلقت بالتاكسي لمنطقة الرمل بوسط البلد ، وأخذت أتجول به ومرت الدقائق وتحولت لساعة ولساعتين ولم يشير لي أحد ، وكأن كل من في الأسكندرية يعلمون إني لست بسائق تاكسي ، ويرفضون خوض المغامرة معي وبعد أن أضناني التعب ركنت بأحد الأماكن الفارغة ، وأخذت أفكر في الورطة التي ورطت نفسي بها ماذا أفعل الآن؟ ، ماذا سيظن كريم بي إذا عدت خالي الوفاض ؟ ، وفي وسط التخيلات المريعة التي تملكتني عن السيناريو القاتم الذي تورطت فيه ، شق صوت الأفكار المتداخلة في رأسي ، فاضي يا أسطى ، يا فرج الله ما ضاقت إلا أما فرجت ، "أه يا باشا على فين العزم إن شاء الله" كان هذا ردي بحماس ، وجاءني الرد "العصافرة إن شاء الله " -بالمناسبة أنا أيامها لم أكن دايس في إسكندرية قوي كنت حافظ العجمي شبر شبر بس- المهم رديت إركب ، فتح الراجل الباب (اللي كان لابس بدلة وشكله باشا باشا يعني ) وحط شنطة كان شايلها في الكنبة الورانية (أنا لو كنت أعرف الشنطة كان فيها إيه كنت خلعت) ، وقالي ثانية واحدة أجيب المدام ، وذهب الرجل للفندق الذي صادف إني كنت راكن عنده ، ورجع بالمدام واللي كانت رقاصة أيوة رقاصة مش راقصة ، حتة كدة بلدي من رقاصات التسعينات اللي كانوا مربربين كدة مش سمباتيك زي بتوع دلوقتي ، وجاية سخنة كدة من الفندق كانت بترقص في فرح يعني جاية بعرقها ، المهم قعدت في الكنبة الخلفية ، والراجل اللي كان اسمه "سمير" قعد جنبي ، المهم بدأت أسوق وقلت لسمير إنت عارف إحنا رايحين فين رد بالإيجاب قولتله خليك معايا ، وطول السكة عمال أبص في المرآة الداخلية على الرقاصة ، وطبعاً عشان معملش نفسي صايع هي حست على طول ، وعشان ألطف الجو رح راكن وقولتلها بصي يا مدام أنا كدة مش عارف أسوق يمين ولا شمال عشان أعرف أركز ، المهم عجبتها النكتة والحركة ضحكت وقالتلي ما أنا حاسة بيك ، شكلك دمك خفيف عامةً أنا مش مدام أنا مساح وتوكل على الله وربنا يحرس طريقك "والله الدمعة كانت حتفر من عيني من إيمانها " ، إتحركنا ودلني "سمير"  على الطريق لحد ما وصلنا للفرح وأنا داخل عشت الدور وكلاكسات بقى ، قالتلي سماح ده إنت مصيتني قولتلها أمال الشئ لزوم الشئ ، الغريب بقى إن "سمير" ولا بان عليه أي إنفعال من كل الملاغية دي واضح إنه محترف ، المهم المعازيم في الفرح تفاعلوا مع كلاكساتي وهما اللي زفونا "الرقاصة جت الرقاصة جت" حسيت إني في مظاهرة ، وأول ما دخلنا الفرح إستقبلنا أهل الفرح إستقبال الفاتحين راحت سماح تغير وتجهز لنمرتها ، وإحنا سلمونا من إيد لإيد لحد ما لقتني انا وسمير قاعدين على أجدع بوفيه وبيتعمل معانا أجدع واجب ، ما إحنا تبع الرقاصة ، خلص الفرح وطلعنا وبدأت سماح تاخد دفة الحديث وتقولي فاضي بقية اليوم يا أسطى ، قولتلها تحت أمرك فبدأ سمير يوجهني للفرح التالي ، وتقريباً حصل نفس اللي حصل في الفرح اللي فات ، بس الفرح ده عرفت إن الشنطة اللي مع سمير مليانة فلوس ، بيتلم فيها فلوس النقطة وبقية أجرة سماح ، ولحد النهاردة بسأل نفسي لو كنت عارف إن فيها فلوس كنت حاخدها أما سمير سابها في العربية في أول تعارفنا ولا لأ ، المهم رحنا كام فرح رحنا أربع أفراح ، كل فرح ناكل ولأن لحد لخظة كتابة هذه السطور عمري ما شربت أي حاجة غير المية الساقعة والبيبسي فمشربتش حاجة من الخيرات اللي كانت متوافرة في كل فرح ، وبعد الفرح الرابع اللي كان في المنتزة سماح قالت جبرت على كدة النهاردة مراويح على بحري ، وإتحركنا ووصلنا بحري في ربع ساعة الشوارع فضت الساعة وصلت لتلاتة الفجر ، وقبل ما نوصل لبيتها خلتني أركن عند سوبر ماركت ونزلت جابت العشا يعني فضلة خيركم أكل يكفي أسبوع ، واللي جابته لنفسها جابت منه لسمير ولية بصراحة كرم حاتمي ، كرم حاتمي إيه يا داهية ألا تكون مش حتدفع الأجرة رجعنا لنقطة الصفر تاني ، ولكن سريعاً ما تبددت مخاوفي الرقاصة حاسبتني على الكام ساعة دول ب400 جنيه غير الأكل وده كان مبلغ كبير جداً أياميها خصوصاً لو عرفتم إن طرف التاكسي بالبنزين مكملش 60 جنيه ، المهم خلصت وأخدت التاكسي وطلعت على كريم أسلمه التاكسي ، وأنا بسلمه التاكسي بسلمه الإيراد ، بصلي بإستغراب وقالي إيه ده كله ، حكيت اللي حصل بإيجاز ولأن كريم لو كان مسلم كان حيبقى سلفي ، فقد ثار بشدة ورفض أخذ الفلوس الحرام وبعد إلحاح أخذ مني طرف التاكسي عشان ميبقاش دفع من جيبه ، وأخذت الفلوس ولكن بعد ما صحيت تاني يوم حسيت إن كريم محق ووضعت الفلوس بأقرب جامع .

يا رب تكون ماتت مستورة



كان منظره مزرياً أكثر من أي يوم مضى ، الناس يمرون ذهاباً وإياباً دون أن يكترثوا له ، ربما إعتياداً منهم على رؤيته ، أو رؤية أشباهه من المشردين رثي الثياب ، طويلي الشعر أشعثه ، الذين يتكومون في أي ركن يختارونه بشوارعنا ومياديينا ، والنادر من الفضوليين هم فقط من يتناقلون روايات عن تلك الفئة ، والتي غالباً ما تكون أغلبها كما الشائعات المروجة ، فسمعنا عمن خانتهم زوجاتهم أو من خسر كل أمواله بضربة واحدة ، أو من إنفضت عنه عزوته بعد خسارتهم لمناصبهم ، حكايات وحكايات يستخلص العقل الرزين من أغلبها إنها مجرد شائعات ، لكن حالة "هشام" مختلفة فأنا أعرفه جيداً ، وما سأقوله عنه اليوم ليس بشائعة أو كذبة ورواية أقصها عليكم ، فهي حقيقة تحققت من أغلب أركانها كما يتحرى الصحفي عن قصة قبل نشرها ، فهشام كان جاراً لي ، عرفته من فترة الثانوية العامة ، التي فشل في إجتيازها لكنه نجح بكده وإجتهاده في الإلتحاق بعمل بشركة أدوية عالمية إعتماداً على إجادته للحاسب الآلي ، والذي كان وقتها حديث التداول لا يجيد التعامل معه سوى صفوة المجتمع ، وليس منتشر كما الآن ، وما ساعده على ذلك ظروف عائلته المادية المتيسرة ، ونجح هشام في إكتساب خبرات عالية بمجال الأدوية ، حتى أصبح موظفاً بقسم المبيعات بها فمندوباً يتساوى في الخبرات والراتب مع خريجي الصيدلة وقتها بأواخر تسعينات القرن الماضي ، ليس هذا فقط بل أرسل بمنحة تدريبية لفرع الشركة بألمانيا عاد من هناك مسلحاً بشهادة إتمام دورة على ما أتذكر تتعلق ببيع الأدوية بالشرق الأوسط ، وهي شهادة من أكبر الجامعات الألمانية ، وهو ما جعل شهاداتنا التي أخذناها في سنوات طوال تتوارى خجلاً جانب شهادته ، المسلحة بالخبرة الميدانية وفي الوقت الذي كنا نبدأ فيه حياتنا العملية ، بل والبعض من أبناء جيلنا يتعطل لأداء الخدمة العسكرية ، كان "هشام" كمن ركب صاروخاً أصبح مطلوباً للعمل بأغلب دول الخليج وبكبرى الشركات بها وبأرفع المناصب ، حتى أن زملاءنا خريجي الصيدلة أصبحوا يوسطون -ساقط ثانوية عامة- ليبحث لهم عن فرصة للدخول بشركته أو أي شركة بالمجال ، وهو أمراً دعاني للتأمل كثيراً في مسيرة نجاح هذا الشاب ، وفي الطريق غير التقليدي الذي سلكه وأصبح "هشام محط إعجابي بشدة ، كما لاحظت نظرات الغيرة والحسد التي تقطر من عيون وألسنة أغلب شباب الشارع ، فمنهم من قلص قصة كفاحه لمجرد حظ ، أو أن الشهادات التي تؤهله لعمله غير ذات قيمة وكلها مدفوعة الأجر ، وعندما كنت ادخل في سجال مع أحد من طارحي وجهة النظر تلك ، حول أن الشركات الكبرى لا تنظر للشهادات فقط ، بل تنظر أيضاً للخبرات والمهارات وإنه لن يترقى ويعلو لمجرد حمله شهادة فقط ، ما نالني سوى السباب واللعن ، وهنا أدركت أن النقاش لا سبيل له ، فالحقد قد أعمى قلوبهم .
وحتى لا نتوه نعود لقصتنا ، حيث سافر " هشام" للإلتحاق بالعمل بكبرى شركات الأدوية بالشرق الأوسط بإمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة ، بمطلع القرن الحالي في الفترة التي بدأت فيها دولة الإمارات النهوض السريع وجذب أنظار العالم ، وحسب شرح "هشام" لي بوقت لاحق بدأ بتنفيذ ما تعلمه سريعاً لتثبيت نفسه ، حيث بنى قاعدة بيانات بوقت قياسي ، ثم قاعدة علاقات سريعة بالمستهدفين من العملاء كشركات التوزيع والدكاترة والصيادلة ، وفي أقل من عام زادت ارباح الشركة بأكثر من الضعف ، وزاد معها راتبه الذي كان في الأصل خرافي من عشرة آلاف درهم شهرياً ، لثلاثين ألف درهم ، ووصل في غضون عشر سنوات لخمسين ألف درهم ، وهو ما كان يظهر على أسرته بوضوح فقد كانوا يشترون كل منزل أو بيت يباع بالمنطقة ، كما إبتاعوا سيارة جديدة ، وأصبح الحي كله يتودد لعم جميل أبو هشام ووالدته الست أم هشام ، ثم كاد أن يركع أغلب رجال الحي تحت قدمي أم هشام طلباً لودها ، بعد أن إنتقل عمل جميل لجنة الخلد بإذن الله ، وهي الفترة الوحيدة التي رأينا فيها "هشام" لحضور جنازة والده ، مواساة والدته وإلقاء نظرة على أملاكه ، أما أصدقائه وجيرانه لم أشعر برغبة صادقة منه في مجالستهم ، ربما أن الأموال غيرته ، أو أن الغربة قست على قلبه ، ومن سخرية القدر أن أغلب فتيات الحارة اللاتي لم يحالفهن الحظ بالزواج حاولن بكل السبل لفت إنتباه "هشام" ، بصورة ذكرتني بمسلسل عايزة أتجوز ، إلا إنه لم يبدي إهتماماً وربما وجد الظرف غير مناسب للزواج خاصةً وإنه قد جاء لتلقي العزاء ، خاصةً وإنه أغلق الباب أمام والدته رافضاَ مبدأ زواجها مرةً ثانية ، مؤكداً أم كل من تقدموا لها طمعانين في أمواله .
إلى هنا وكانت الأمور تسير بشكل طبيعي ولا أظن إنني إذا كنت أخبرت أحداً من أهل المنطقة ، أن "هشام " سيغدو في ظرف عامين مجذوباً يتلقى الإحسان من أهالي المنطقة تارةً ، والمضايقات تارة ، ونظرات الشماتة من الحاقدين ، ونظرات الإشمئزاز ممن كانوا يجرون وراء تراب قدميه تارة أخرى ، لكان أهلي المنطقة قد إستدعوا لي مستشفى أمراض المجانين رسمياً وفوراُ فما السبب في التدهور الذي أصاب قصة ذلك الصعود الرهيب .
الحكاية تبدأ بإنطلاق ثورة يناير وما تبعها من إنهيار أمني أصاب البلاد ، في ذلك الوقت كان "هشام" قد أرسل كل مدخراته لوالدته لشراء شقة بمبلغ مليون جنيه بمنطقة "زيزينا" بالأسكندرية ، إستغلالاً لحالة الإنهيار التي أصابت العقارات بذلك الوقت ، خوفاً من المجهول الذي كان يكتنف البلاد وقتها ن حيث أن قيمة الشقة الحقيقة أكثر من مليون ونصف المليون جنيه ، وكان صاحبها على ما يبدو يريد أن يفر قبل أن تفتك أيادي الثورة به ، على العموم وتحت إصرار من المالك على تقاضي نظير البيع كاش ، إضطرت الأم إلى بيع بعض الأملاك التي تمتلكها فالصفقة كانت مغرية لأبعد الحدود ، وفي اليوم المقرر لإتمام الصفقة أخذت الأم جميع الأموال السائلة بالمنزل ، وبخطوة حمقاء في أي وقت وأي مكان -ناهيك عن إنها بفترة إنهيار أمني- ذهبت للبنك بكل تلك الأموال وسحبت كل السيولة به لتكمل مبلغ المليون جنيه المطلوب لإتمام الصفقة ، إلا أن الصفقة لم تتم أبداً حي لم تصل الأم في الموعد المحدد للمالك لإتمام عملية البيع .
جن جنون "هاشم" حصل على أجازة وكانت الشركة رحيمة به فصرفت له شهر إعانة وصرفت له جميع مستحقاته ومنحته الأجازة ، وهرع "هشام" إلى الأسكندرية للبحث عن والدته ، وسأل عليها القاصي والداني ، دفع أموالاً طائلة بأقسام البوليس للتحري عن والدته وكلما مر الوقت وإنخفض أمل العثور عليها ، خاصةً مع إنتشار الجرائم البشعة وقتها ، إزاداد هياج "هشام" وتحركاته ، قام ببيع كل ما يملك ولف بنفسه على جميع المستشفيات وجميع مشارح مصر باحثاً عن أمه وعن جثتها ، ربما كان هشام قاموساً لبشاعة الجرائم التي أرتكبت وقتها ، وكم من مرة حكى لي عن جرائم رأي جثثها بنفسه ، على العموم بعد ثلاثة أشهر من البحث المضني ، تقلصت آمال هشام وأصبح رده على أي سؤال من المعارف والقارب والجيران عن أخبار والدته " يا رب تكون ماتت مستورة".
بدأ "هشام" رحلة جديدة من الضياع ، فبعد تأخره في العودة لعمله ، أرسلت له الشركة الإماراتية جواب شكر عن الفترة التي قضاها بها ، حاول "هشام" أن يلملم شتات حياته فحاول أن يبحث عن عمل بمصر ، فكانت الضربة القاصمة "هشام" لا يملك شهادة إتمام الثانوية العامة ، حاول إبراز الشهادات التي يمتلكها ، لكن إجادة الحاسب الآلي أصبح أمر طبيعي ، والشهادات الأجنبيه أصبحت منتشرة ومعروف عنها إنها شهادات مدفوعة الأجر ولا تمثل خبرة أو علم لصاحبها ، وبدأ هشام ببيع البقية الباقية من ممتلكاته ، وهنا جاءت النهاية تلقفته أيدي شلة فاسدة من مدمني المخدرات ، وجروه لجلساتهم المميتة حتى سحبوا منه آخر قرش يمتلكه ثم أعرضوا عنه ، حاولت أن أساعده فألحقته للعمل بشركة لدي بمديرها علاقة عمل سابقة ، وقبله كمسئول للبيع بها ، إلا أن الإدمان قد تملك جسده وأخذ ينهش به في كل لحظة تمر ، والراحة الزائفة التي يشعر بها مع كل حقنة يتعاطاها أصبح جسده وعقله لا يستغنى عنها ، إختلس "هشام" مرة ومرة حتى إنكشف أمره ، فطرد من الشركة كأقل إجراء يمكن إتخاذه في مثل هذه المواقف ، شاعت حكايته وأعرض عنه الجميع ، حتى أنا في لحظة غضب قررت إنني فعلت كل ما بوسعي معه ولم ينوبني سوى التأنيب من صديقي الذي توسطت له لديه ، فإنصرفت عنه وأغلقت هاتفي في وجهه عندما إتصل بي ليطلب مني سلفة ، ليبدأ "هشام" في الهيم على وجهه بشوارع المنطقة ، ويتحول لمجذوب يستجدي الإحسان  ومشيع بنظرات الشفقة والإشمئزاز ، صارخاً بين الحين والآخر "يارب تكون ماتت مستورة".

"باهر" إتجوز

يا له من عنوان أبدأ به إقصوصتي ، ولكن اللحظة التي نطق بها صديقي الكلمة أحسست برغبة ملحة في أن أحول قصة باهر لكلمات مكتوبة ربما يخلدها التاريخ ، ففي الوقت الذي قدمت قدماً وأخرت أخرى وأنا في طريقي لدعوته لسبوع بنيتي الثانية ، خشية أن أثير مشاعر طبيعية لديه بالغيرة لا ألومه عليها كونه بشر حرمه الله لحكمة لا يعلمها سواه من نعمة الأبناء ، وحتى لا نذهب بعيداً من هذه النقطة "باهر" وحسب جميع الفحوصات التي خضع لها لا يوجد لديه مانع من الإنجاب ، لكن المشكلة كانت بزوجته التي لديها مشاكل واضحة بالخصوبة ، ولا تحمل سوى بعد محاولات مضنية كلفت أموالاً لا طائل لأحد بها ، وكانت إرادة الله ألا يستمر الحمل في المرات القليلة التي إستزفت جميع الموارد المالية التي إستطاع باهر تدبيرها وأوقعته في ضائقة مالية ، جعلته يسلم أمره لله ويقنع بالأمر الواقع ، وهو ما كان غريباً علي لماذا لا يلجأ للرخصة التي منحها الله عزة وجل له بالزواج من أخرى ، وقبل أن يهاجمني بعضكم أحب أن أنوه أن "باهر" من بيئة تعدد الزوجات بها أمر طبيعي ومقبول أكثر من مجتمعاتنا ، فهو ريفي ليس هذا فقط فإن حياته أخذت منحى سلفي منذ سنوات عدة ، وهو ما كان ييسر عليه هذا الإقتراح فأغلب أصدقاؤنا المشتركون الريفيين لهم أكثر من زوجة ، كل هذا جعلني أكثر من مرة أسأله في أكثر من مرة لماذا لا يتزوج ، خاصةً وأن العمر بيجري كما يقول عامة الناس فالعمر شارف على الأربعون ، ولكن رده الشجاع الذي أفحمني إنه راض بقضاء الله عز وجل ، كما إنه صارحني بحبه الجارف لزوجته وعدم قدرته على تصور وجوده بجانب امرأة أخرى ، وإستمر ثباته المثير للإعجاب بعد أن حدثت مشاكل بين أهله وزوجته ، فسرها الجميع ببساطة وبسرعة بسبب عدم إنجابها ، حتى وإن لم يكن هذا السبب المعلن ، وعلى الفور قرر "باهر" أن ينحاز بسرعة لزوجته إحساساً منه إنها مظلومة ، حتى عندما صارحته بإحساسي أن أمه تتحرش بزوجته بسبب عدم قدرتها على الإنجاب خاصةً وإنه ولدهم الوحيد ، كان رده ببساطة لقد رضيت بنصيبي وعليهم هم أيضاً أن يرضخوا  للأمر الواقع ، وحتى بعد أن إتسعت هوة الخلاف حتى ترك "باهر" منزل العائلة وخرج بزوجته مشرداً بين البيوت ، ظل على ثباته المدهش حتى توسط أبناء الحلال لينتهي الخلاف ويعود "باهر" وزوجته لمنزلهما على مضض .

كيف إذن حدث هذا التحول الغريب كيف وبعد أن إنتصر "باهر" في جميع هذه المعارك ، أن يلقي بهذه كله خلف ظهره ويبدأ من النقطة التي حارب من أجل ألا يبدأ منها .
وبعد أن شغل الموضوع بالي لأسبوع ، راودتني فيها جميع الأفكار ، كانت الإجابة في أول لقاء مع "باهر" بعد أسبوع من معرفتي بالخبر ، تركت "باهر" ليفضي عما يجيش بصدره ، فكانت شكواه أن زوجته -التي أصبحت سابقة في طرفة عين- إنها تغيرت في الأشهر الأخيرة من عمر زواجهم وأصبحت لا تعير لكلامه وأوامره بالاً أو مثقالاً ، وإنه طالبها لأكثر من مرة بأن تطمئن بإنه لن يتزوج عليها وإنه راض بقضاء الله وقدره ، إلا إنها تمادت وأصبحت تهينه أمام أهله ، فما كان منه إلا أن طلقها وتزوج بأخرى ، فجأة وأنا جالس معه كتمت غربتي في أن أخبره في إنها فعلت ذلك غالباً لتمنحه الفرصة في حياة جديدة ، عل أن يرزقه الله بها بنعمة الأطفال ، وعلى الرغم من إن الفكرة تتماشى مع الأفلام العربي الرومانسية القديمة اتي أمقتها بشدة ، حين تضحي البطلة بسعادتها في سبيل من تحب ، إلا إن التبرير الوحيد المقنع لذلك ، وفضلت ألا أخبره بذلك صراحةً شعرت أن إخباري له لن يفيد بشئ ، فإذا كان لا يعلم ذلك وهو إحتمال ضعيف فلا داعي لفتح جرح يحاول هو أن يطببه ، وإذا كان يعلم -وهو الإحتمال الأقوى- فلا داعي لمواجهته ، أدعو الله في أن يوفقه .
بقى أن أخبركم أن "باهر" طوال عمره نناديه بأبو زياد رغبةً منه في إنجاب صبي يسميه زياد ، ولكن الآن طالب الجميع بالتوقف عن مناداته بهذا الاسم فهو ينوي أن يسمي إذا وهبه الله ذكراً باسم أحمد .

أضف الموضوع لحسابك